الآلوسي

158

تفسير الآلوسي

والمراد ذكر قصتهما أو باضمار اذكر خطاباً له صلى الله عليه وسلم ، وجملة * ( قد تبين ) * حيالية ، وقيل : هي بتقدير القول أي وقل : قد تبين ، وجوز أن تكون معطوفة على جملة واقعة في حيز القول أي اذكر عاداً وثمود قائلاً قر مررتم على مساكنهم وقد تبين لكمن الخ ، وفاعل تبين الإهلاك الدال عليه الكلام أو مساكنهم على أن * ( من ) * زائدة في الواجب ، ويؤيده قراءة الأعمش * ( مساكنهم ) * بالرفع من غير من ، وكون * ( من ) * هي الفاعل على أنها اسم بمعنى بعض مما لا يخفى حاله . وقيل : هما منصوبان بالعطف على الضمير في * ( فأخذتهم الرجفة ) * ( العنكبوت : 37 ) والمعنى يأباه ، وقال الكسائي : منصوبان بالعطف على الذين من قوله تعالى : * ( ولقد فتنا الذين من قبلهم ) * ( العنكبوت : 3 ) وهو كما ترى ، والزمخشري لم يذكر في ناصبهما سوى ما ذكرناه أولاً وهو الذي ينبغي أن يعول عليه . وقرأ أكثر السبعة * ( وثموداً ) * بالتنوين بتأويل الحي ، وهو على قراءة ترك التنوين بتأويل القبيلة ، وقرأ ابن وثاب * ( وعاد وثمود ) * بالخفض فيهما والتنوين عطفاً على مدين على ما في " البحر " أي وأرسلنا إلى عاد وثمود * ( وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ ) * بوسوسته وإغوائه * ( أَعْمَالَهُمْ ) * القبيحة من الكفر والمعاصي * ( فَصَدَّهُمْ عَن السَّبيل ) * أي الطريق المعهود وهو السوي الموصل إلى الحق ، وحمله على الاستغراق حصراً له في الموصل إلى النجاة تكلف * ( وَكَانُوا ) * أي عاد وثمود لا أهل مكة كما توهم . * ( مُسْتَبصرينَ ) * أي عقلاء يمكنهم التمييز بين الحق والباطل بالاستدلال والنظر ولكنهم أغفلوا ولم يتدبروا وقيل : عقلاء يعلمون الحق ولكنهم كفروا عناداً وجحوداً ، وقيل : متبينين أن العذاب لاحق بهم بأخبار الرسل عليهم السلام لهم ولكنهم لجوا حتى لقوا ما لقوا . وعن قتادة . والكلبي . كما في " مجمع البيان " أن المعنى كانوا مستبصرين عند أنفسهم فيما كانوا عليه من الضلالة يحسبون أنهم على هدى . وأخرج ابن المنذر وجماعة عن قتادة أنه قال : أي معجبين بضلالتهم وهو تفسير بحاصل ما ذكر ، وهو مروي كما في " البحر " عن ابن عباس . ومجاهد . والضحاك ، والجملة في موضع الحال بتقدير قد أو بدونها . * ( وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَى بالْبَيِّنَاتِ فاسْتَكْبَرُواْ فِى الاَْرْضِ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ ) * * ( وَقَارُونَ وفرْعَوْنَ وَهَامَانَ ) * معطوف على عاداً ، وتقدم قارون لأن المقصود تسلية النبي صلى الله عليه وسلم فيما لقي من قومه لحسدهم له ، وقارون كان من قوم موسى عليه السلام وقد لقي منه ما لقي ، أو لأن حاله أوفق بحال عاد أو ثمود فإنه كان من أبصر الناس وأعلمهم بالتوراة ولم يفده الاستبصار شيئاً كما لم يفدهم كونهم مستبصرين شيئاً ، أو لأن هلاكه كان قبل هلاك فرعون وهامان فتقديمه على وفق الواقع ، أو لأنه أشرف من فرعون وهامان لايمانه في الظاهر وعلمه بالتوراة وكونه ذا قرابة من موسى عليه السلام ، ويكون في تقديمه لذلك في مقام الغضب إشارة إلى أن نحو هذا الشرف لا يفيد شيئاً ولا ينقذ من غضب الله تعالى على الكفر * ( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَات فاسْتَكْبَرُوا ) * عن الأيمان والطاعة * ( في الأَرْض ) * إشارة إلى قلة عقولهم لأن من في الأرض لا ينبغي له أن يستكبر . * ( وَمَا كَانُوا سَابقينَ ) * أي فائتين أمر الله تعالى ، من قولهم : سبق طالبه أي فاته ولم يدركه ، ولقد أدركهم أمره تعالى أي إدراك فتداركوا نحو الدمار والهلاك ، وقال أبو حيان : المعنى وما كانوا سابقين الأمم إلى الفكر أي تلك عادة الأمم مع رسلهم عليهم السلام ، وليس بذاك وأياً ما كان فالظاهر أن ضمير كانوا القارون